الشوكاني
37
فتح القدير
الذي قتل أخاه ظلما . وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قيل له في هذه الآية يعنى قوله ( فكأنما قتل الناس جميعا ) أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل ؟ فقال : إي والذي لا إله غيره . وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) قال : نزلت في المشركين ، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله . وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير عنه في هذه الآية قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد وميثاق ، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض ، فخير الله نبيه فيهم : إن شاء قتل وإن شاء صلب وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وأما النفي فهو الضرب في الأرض ، فإن جاء تائبا فدخل في الإسلام قبل منه ، ولم يؤخذ بما سلف . وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أن هذه الآية نزلت في الحرورية . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أن نفرا من عكل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلموا واجتووا المدينة ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتوا إبل الصدقة ، فيشربوا من أبوالها وألبانها ، فقتلوا راعيها واستاقوها فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طلبهم قافة ، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا ، فأنزل الله ( إنما جزاء الذين يحاربون ) الآية . وفى مسلم عن أنس أنه قال إنما سمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة . وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفرياني وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال : إذا خرج المحارب فأخذ المال ولم يقتل قطع مع خلاف ، وإذا خرج فقتل ولم يأخذ المال قتل ، وإذا خرج وأخذ المال وقتل قتل وصلب ، وإذا خرج فأخاف السبيل ولم يأخذ المال ولم يقتل نفى ، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : من شهر السلاح في قبة الإسلام وأفسد السبيل فظهر عليه وقدر ، فإمام المسلمين مخير فيه : إن شاء قتله ، وإن شاء صلبه ، وإن شاء قطع يده ورجله ، قال ( أو ينفوا من الأرض ) يهربوا ويخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب . وأخرج ابن جرير عنه قال : نفيه أن يطلب . وأخرج أيضا عن أنس نحوه . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال : كان حارثة ابن بدر التيمي من أهل البصرة قد أفسد في الأرض وحارب ، فكلم رجالا من قريش أن يستأمنوا له عليا فأبوا فأتى سعيد بن قيس الهمداني ، فأتى عليا فقال : يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ؟ قال ( أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) ثم قال ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) فقال سعيد : وإن كان حارثة بن بدر ، قال : وإن كان حارثة من بدر ، قال : هذا حارثة بن بدر ، قد جاء تائبا فهو آمن ، قال نعم ، فجاء به إليه فبايعه ، وقبل ذلك منه وكتب له أمانا . سورة المائدة الآية ( 5 - 37 )